Tweet It!

الشرطي الصغير

"مشوار بابا، بدي روح مشوار" قال جاد لأبيه بعدما انتهت العائلة من تناول غذائها المتواضع. مشوار بسيط في السيارة "اللي عا اد الحال" ولكنها في عيون جاد احلى سيارة في الدنيا. يسارع جاد الصغير ابن العاشرة لإكتشاف العالم ويتجول بعينيه يمينا ويسارا عبر الزجاج. بالنسبة اليه العالم الآن اشبه ببيضة الشوكولا التي تخبئ بداخلها لعبة صغيرة. وما اجمل ذلك العالم الذي يرسمه الصغار. عالم بسيط دون شوائب ومليئ بألوان قوس قزح. عالم خيالي ومبدع ولكنه يبق خيالي. المشوار الذي يطول لمدة نصف ساعة او اكثر يتيح لجاد الإستفسار عن كل ما يمر من امام عينيه. فينهال على ابيه بأسئلة متنوعة وعديدة تصيب الوالد مرارا اما بنوبات ضحك او نوبات توتر من كثرتها. واحيانا يسأل الصغار اسئلة لا نجد لها جوابا فنتركهم يتسائلون ويتركوننا في حيرة اكبر.
"بابا ، مين هيدا يللي عم بصفّر؟" ... "هيدا اسمه شرطي السير هو الي بقول للناس يمشوا او يوقفوا السيارة يعني ينظم السير". أجابه جاد :" انا بس اكبر بدي صير شرطي سير" ثم نظر الى الشرطي بفضول. تأمّله مستغربا لأنه لا يشبه الشرطي الذي يراه في برامج الرسوم المتحركة. حيث شرطي السير يضحك بإستمرار ويسلّم على المارة بوجه بشوش. ما رآه كان مختلفا جدا عن حقيقته الخاصة. انها حقيقة الكبار. شرطي السير يصرخ في وجه الناس ويشبّر بيديه بطريقة غريبة . هنا وقع حادث بسيط بين مواطنين احدهما لام الشرطي لعدم كفائته حين سمح للآخر بالمرور عكس السير. فثار غضب الشرطي وملأ صوته المكان ممزوجا بصوت المواطنين وزمامير السيارات المتفرجة والتي تنتظر حل الشجار لتكمل طريقها. حادثة بسيطة تصادفها تقريبا في كل يوم . ولكنها جديدة على ذلك الطفل الصغير. بدا الوقت مبكرا جدا عليه ليشهد على تلك الأحداث . فتح عينيه الصغيرتين لرؤية "المشكل". ثم فاجأ والده مرة اخرى بسؤال جديد "بابا هلأ مين رح ينظم السير؟!".
سؤال الولد الصغير طبع في ذاكرة الوالد وأرجع اليها مشاهدات وتجارب سابقة جالت في فكره بطريقة مفاجئة. فكر : كيف يمكن تبرير تجاوز القانون من رجال القانون انفسهم؟ لماذا يحق لقوى الأمن ما لا يحق لغيرها؟
لماذا يحق للدركي ركوب دراجة نارية دون خوذة؟ هو الذي يكتب مخالفات لا متناهية لسائقي الدراجات. لماذا يحق له تجاوز السرعة المسموح بها على الطريق العام؟. لماذا يمكنه المرور من امام سيارتي بدراجته بسرعة جنونية محدثا صوتا رهيبا لدرجة ان ابني هلع من الخوف؟ . لماذا يحق لعنصر في قوى الأمن ركن سيارته في موقفي الخاص لعدة مرات ودون اخذ اذني ؟ اي قانون يعطيه الحق برفع صوته في وجهي انا مواطن ادفع كل ما يتوجب علي من ضرائب واحترم القانون، ينهال علي باللعنات والشتائم كأنني ارتكبت جريمة، اذا صدف مروري مرور موكب لأحدهم؟.
تذكر حادثة ظلّ يفكر فيها لشهور حين كان يمر على اوتوستراد كورنيش المزرعة في العام 2003 دركي بلباسه الرسمي يمسك طفلة في الثانية عشر تقريبا، مشردة تبيع ربما العلكة، يمسكها من شعرها وينهال عليها بالضرب امام عيون الناس اجمع وفي وضح النهار.
لماذا يسمح لشرطي السير بالتحدث على هاتفه الجوال اثناء قيامه بمهامه على تقاطع طرق. لماذا يوجد شرطي سير اصلا على تقاطع طرق طالما ركبت اشارات سير جديدة. والمضحك حين تكون اشارات السير مطفئة ايام الأحد او بسبب انقطاع التيار الكهربائي.
"أوووووف" تنهد الوالد وادار الراديو هربا من التفكير في قصص لا سبب لها ولا حلّ، على الأقل في الوقت الحاضر. "ليك الواوا بوس الواوا خللي الواوا يصح ..." اغنية تبث على الهواء سمعها علّها تخفف قليلا من توتره. تمتم قائلا :" بسيطة وين ما كان في اخطاء وفي ناس ما بتعرف واجبها...".
لم يلم احد ولن يلوم. سيظل يأخذ جاد في مشوار كل يوم عبر شوارع بيروت. لا ضير ان رأى فيها الجمال والبشاعة على امل إن اصرّ على موقفه ان يصبح شرطي سير مثالي.

2 comments:

  1. يسلم هالتم يا استاذة بس نسيتي لي بطالبوا بمقاطعة امريكا ولما يزورونا ببلدنا بجحافل وبوسطات مليانة منتفركش فيهن بالميات مسكرين الشارع منفكر في شي كارثة كبيرة بيطلع الأخوان عاملين كل هالعجقة لياكلوا عند ال KFC وريتوا هنا انشاء الله

    ReplyDelete
  2. الحق معك ولكن هذا الموضوع يحتمل ان يكون تحقيقا بكامله. يا ريت بتعرفنا على حضرتك. شكرا

    ReplyDelete