"عازف".. السيدا

Tweet It!
المستقبل - الخميس 10 تموز 2008 - العدد 3013 - شباب - صفحة 11

انتشر الخبر بسرعة البرق في ارجاء القرية. تناوله كل فم ولسان. عازف الغيتار "معه سيدا". يا للمصيبة. كيف نحمي انفسنا منه. تسأل ألسنة اهل القرية. هناك حيث تربى ولعب مع اولاد الجيران. حيث عزف في ليالي الفرح والحزن. حين كان كل الأصحاب يجتمعون في بيته على سهرية تضيئها الحانه ورنات آلته الموسيقية. فرغ البيت من الأحباء. ابتعدوا في شيء من الاشمئزاز. حتى صوت غيتاره باتوا يخافون منه. حين كان يعزف كانوا يغلقون نوافذهم. هل يمكن ان تنتقل العدوى من خلال صوت الغيتار؟.
حين اصيب بالفيروس كان ذلك عام 1994 ولكنه لم يكتشف المرض حتى 1999. خمس سنوات مرت لم يخف منه احد لأنهم لم يعرفوا. وحين عرفوا اصابهم الذعر. لماذا؟ هل تغير به شيء؟ . لم يعتب على اي من الذين رفضوه. فهو يعرف ان جهل المرض هو الذي يخيف اكثر بكثير من المرض نفسه. استفحل المرض في جسمه حتى بات نحيلا . صار وزنه 37 كلغ. لم يبق بجانبه سوى زوجته وابنه . دغدغته فكرة الإنتحار مرات عدة ولكنه قرر المقاومة وعدم الاستسلام. تعايش مع السيدا وتقبله في جسمه زائرا مدى الحياة. في صبيحة ذات يوم وصله خبر وفاة احد الشباب في القرية جراء اصابته بمرض السرطان. شاب في ربيع العمر. قرر الذهاب لتعزية والدته. هناك لم يجرؤ الكثير على التسليم عليه يدا بيد. ولكنه تفاجأ بوالدة الفقيد تقول " يا ليت ابني كان معه سيدا بدل السرطان يمكن كان بعدو عايش...".تكلم عازف الغيتار خلال المؤتمر الذي نظمه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تحت عنوان "كسر حاجز الصمت" يومي 7 و8 تموز في اوتيل جيفنور روتانا بيروت. تكلم بحرية وبثقة. هدفه اليوم في الحياة توعية الآخرين على ماهية السيدا وسبل الوقاية منه. بعد سنوات من الصراع استطاع اقناع القليل من محيطه ان مرضه لا ينقل باليد او بالعرق او في صحن الطعام كما لا ينقل من قبلة او غمرة. اسباب العدوى معروفة، العلاقة الجنسية من دون اتخاذ الوقاية، نقل الدم (اذا كان ملوثاً)، استعمال الإبرة نفسها بين متعاطي المخدرات في حال وجود مصاب بينهم.من يعتقد ان مجتمعه نظيف على حد قول البعض من مرض السيدا هو مخطئ تماما. فمعظم الحالات لا يتم التصريح عنها بدافع الخوف من رد فعل المجتمع. وغالبا ما يكون هذا الأخير جائرا بحقوق المصابين. إذ تشير الإحصاءات انه في المنطقة العربية تقع اصابة جديدة بفيروس نقص المناعة المكتسب كل عشرين دقيقة. ويتعايش اليوم في هذه المنطقة ما يزيد على نصف مليون شخص مع هذا الفيروس حيث اصيب به 38000 شخص في العام 2007 وحده. وتضاعف عدد الوفيات بسبب الإيدز في المنطقة ست مرات تقريبا منذ العام 1990، بحسب منظمة العمل الدولية فان 70 في المئة من الأشخاص المصابين هم من العمال في اوْج عمرهم المنتج. وهناك10 في المئة فقط من المصابين حول العالم يدركون اصابتهم بالفيروس. سجل العام 2007 ما يزيد على 6800 اصابة جديدة يوميا. معظمها (96 في المئة) من هذه الإصابات تركزت في بلدان الدخل المنخفض والمتوسط. ويذكر ان 40 في المئة من المصابين هم بين سن 15 الى 24.اما في لبنان فتقدر منظمة الصحة العالمية عدد الإصابات بعدوى فيروس نقص المناعة بين 2500 و3000 اصابة. في حين ان العدد التراكمي المبلغ عنه لدى البرنامج الوطني لمكافحة السيدا في لبنان هو 1056 لغاية تشرين الثاني 2007.اما بالنسبة للشريحة الأكبر في المجتمع اللبناني، اي الشباب فقد اظهرت نتائج الدراسات السلوكية التي تناولت الشباب في لبنان ما بين 15 الى 24 عاما ان معدل العمر عند اقامة الإتصال الجنسي الأول هو 15 سنة. قد لا تكون العلاقة الجنسية هي السبب الوحيد للإصابة بالسيدا ولكنها السبب الأكثر انتشارا خصوصا بين الشباب. وعلى الرغم من ذلك لا يزال بعض الأهالي يخشون من التوعية الجنسية في المدارس بحجة انها قد تشجع الشباب على اقامة العلاقات الجنسية. الا ان الدراسات في مختلف انحاء العالم تظهر ان التربية الجنسية الموجهة الى الشباب انما تشجع على تحمل المسؤولية. فمع تعزيز المعرفة والتوعية يختار الشباب تأجيل الإتصال الجنسي الأول او في حال اقامتهم علاقات جنسية فهم يستخدمون الواقي الذكري."يا حرام معو سيدا"، "انتبهوا ما تقرب صوبو، معو سيدا"، "معو هاللي ما بيتسمى"، "من وين جاب هالمرض"... لا تتمثل قوة فيروس نقص المناعة البشري في الفيروس ذاته بل في الحلقة المفرغة من الخوف ووصمة العار اللتين ترتبطان به. غالبا ما يحكم الناس على مريض الإيدز بالإعدام على صعيد العلاقات والمجتمع. واول فكرة تتبادر الى الأذهان ان المريض اصيب بالفيروس عن طريق ممارسة علاقة جنسية غير مشروعة. مهما تكن الأسباب فالنتيجة واحدة. المرض هو مرض ولكنه ليس خطيئة. عازف الغيتار لم يفصح عن سبب انتقال العدوى اليه فذلك غير مهمة معرفته على الصعيد الفردي. وقد اكد للجميع انه لا يمكن تجريد المريض من ابسط حقوقه. فله الحق في الحياة، وفي الصحة، وفي الغذاء والمسكن، وفي الخصوصية، وفي المعلومات، وفي التعليم، وفي العمل. وكان اكبر دليل على ذلك ان عازف الغيتار خلال اصابته بالسيدا انجب ولدا ثانيا في كامل صحته من دون ان تنتقل العدوى اليه ولا الى زوجته.



No comments:

Post a Comment